زكي مبارك
19
عبقرية الشريف الرضي
وجاهل نال من عرضي بلا سبب * أمسكت عنه بلا عي ولا حصر حمته عني المخازي أن أعاقبه * كذاك تحمي لحوم الذود بالدبر ( 1 ) وكان الشريف قد امتحن بجماعة من أقربائه يناصبونه العداء ، ونحن نعرف أسباب تلك العداوة ، فقد كانت هناك مناصب موقوفة على الأشراف ، وكانت الحرب على تلك المناصب لا تنفك مسعرة الضريم ، والهجوم على الإخوة وبني الأعمام باب معروف في الشعر العربي ، ولا يكاد يخلو منه ديوان ، فالشريف الرضي لا يبتدع هذا الفن ، ولكنه مع ذلك لا يفتعل هذا الفن ولا يقف فيه موقف المحاكين لعواطف القدماء ، وإنما يعبر عن عواطف ذاتية أنبتها في صدره عنف الأهل ولؤم الزمان ، ولولا ذلك ما صح له أن يقول : إذا أشر القريب عليك فاقطع * بحد السيف قربى الأقرباء ( 2 ) وكن إن عقك القرباء ممن * يميل على الاخوة للاخاء فرب أخ خليق بالتقالي * ومغترب جدير بالصفاء وأن يقول : وقل لبني عمنا الواجدين * بني عمنا بعض هذا الغضب ( 3 ) أما آن للراقد المستمر * في ظلم الغيّ أن يستهب سرحتم سفاهتكم في العقوق * ولم تحفلوا الحلم لما غرب ( 4 ) ولما أرنتم إران الجموح * وماج بكم حبلكم واضطرب ( 5 )
--> ( 1 ) الذود جماعة الإبل ، والدبر بالتحريك قرحة تصيب الدواب . ( 2 ) أشر هنا معناها حقد . ( 3 ) الوجد هنا معناه الحقد . ( 4 ) غرب : غاب . ( 5 ) الإران : فورة النشاط .